Print this page

وفق اخر دراسة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات: 1269.6 مليون دينار خسائر المؤسسات التونسية جراء انقطاع  الكهرباء في  صائفة 2026

اصدر المعهد العربي لرؤساء المؤسسات دراسة حديثة

سلط من خلالها الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المشهد الاقتصادي الوطني وهو ملف خسائر المؤسسات جراء انقطاع التيار الكهربائي خلال صائفة 2026.

تطرح هذه الوثيقة إشكاليات جوهرية تتعلق بمدى قدرة البنية التحتية للطاقة على الصمود أمام التحديات المتزايدة، وحجم النزيف المالي المباشر الذي يعصف بديمومة المؤسسات فضلاً عن تداعيات ذلك على مناخ الاستثمار وغياب آليات التعويض الفعالة.

لم تكن انقطاعات الكهرباء خلال صائفة 2026 مجرد اضطراب في التزويد يمكن تجاوزه باستعادة التيار، بل تحولت إلى خسائر اقتصادية ثقيلة على المؤسسات التونسية.

لقد كشفت دراسة  انعكاسات انقطاعات الكهرباء على النشاط الاقتصادي عن تضرر نحو 96 % من المؤسسات المشمولة مع تسجيل متوسط انقطاعات بلغ 13 يومًا وخسائر إجمالية قدرت بنحو 1269.6 مليون دينار.

تضع هذه الأرقام كلفة الأزمة في قلب النقاش الاقتصادي خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجهها المؤسسات على مستوى الإنتاج والسيولة والقدرة على المحافظة على تنافسيتها وتكمن أهمية هذه المعطيات في أنها لا تتعلق بمجرد تراجع ظرفي في النشاط بل تكشف عن هشاشة العلاقة بين استمرارية التزويد بالطاقة وقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، فالكهرباء ليست خدمة مساندة للإنتاج وإنما أحد شروطه الأساسية وأي اضطراب في توفرها ينعكس مباشرة على انتظام العمليات الصناعية والتجارية والخدماتية وعلى قدرة المؤسسة على التخطيط لمواعيد الإنتاج والتسليم.

تشير نسبة المؤسسات المتضررة إلى اتساع الظاهرة بما يجعلها تتجاوز حالات فردية أو أعطابًا محدودة. وعندما تتعرض غالبية المؤسسات المشمولة بالدراسة للانقطاعات يصبح السؤال متعلقًا بمدى قدرة المنظومة على ضمان استمرارية النشاط الاقتصادي خلال فترات ارتفاع الطلب على الكهرباء. فالمؤسسة التي تواجه انقطاعًا غير متوقع لا تخسر بالضرورة ساعات العمل فقط بل قد تتحمل أيضًا تكاليف إعادة تشغيل المعدات وتعطل الطلبات واضطراب المخزون وتراجع جودة الإنتاج.

يكتسب متوسط الانقطاعات البالغ 13 يومًا دلالة اقتصادية إضافية بالنظر إلى اختلاف طبيعة الأنشطة وحساسيتها تجاه التوقف ففي الصناعات التي تتطلب تشغيلًا متواصلًا قد يؤدي الانقطاع إلى تعطيل مراحل مترابطة من الإنتاج، بينما تتأثر المؤسسات التجارية والخدماتية بتراجع القدرة على تقديم خدماتها في الوقت المحدد. ولا تتوقف الخسائر عند حدود المؤسسة نفسها إذ يمكن أن تنتقل آثارها إلى الموردين والحرفاء فتؤثر في انتظام سلاسل التزويد وفي آجال تنفيذ العقود.

تعتبر  الخسائر المقدرة بنحو 1269.6 مليون دينار فهي الرقم الأكثر إثارة للانتباه في الدراسة ليس فقط بسبب حجمها بل لما تطرحه من أسئلة بشأن طبيعة الضرر الاقتصادي فهذه الكلفة تعكس حجم الموارد التي تأثرت بالانقطاعات لكنها تستوجب أيضًا قراءة دقيقة للمنهجية المعتمدة في احتسابها والتمييز بين الخسائر المباشرة والتكاليف الإضافية والإنتاج الذي تعذر إنجازه.

يظل هذا التمييز ضروريًا حتى تكون الأرقام أساسًا لتقييم السياسات لا مجرد مؤشرات قابلة للتداول دون تدقيق.

في الواقع تكشف الأزمة  عن تفاوت قدرة المؤسسات على مواجهة اضطرابات الطاقة فالمؤسسات التي تمتلك تجهيزات احتياطية تستطيع الحد من بعض آثار الانقطاع لكنها في المقابل  تتحمل  نفقات الوقود والصيانة والاستثمار أما المؤسسات الأصغر، أو التي تعمل بهوامش ربح محدودة فقد تجد نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة تتراوح بين التوقف المؤقت وتحمل خسائر إضافية وبذلك لا تتوزع كلفة الانقطاعات بصورة متساوية بل تتحدد جزئيًا وفق قدرة المؤسسة المالية والتقنية على التكيف.

لا يمكن فصل هذه التداعيات عن الوضع الاقتصادي العام حيث تواجه المؤسسات تحديات تتعلق بكلفة التمويل وتطور الطلب وضغط المصاريف التشغيلية.

في هذا السياق يصبح اضطراب الكهرباء عاملًا إضافيًا يحد من قدرة المنشآت على المحافظة على هوامشها ويزيد من صعوبة التخطيط للاستثمار فالمستثمر لا يبحث فقط عن توفر الطاقة بل عن انتظامها وقابلية التنبؤ بها لأن أي اضطراب متكرر يرفع المخاطر ويؤثر في حسابات التوسع.

وتطرح نتائج الدراسة بالتالي ضرورة التعامل مع استقرار التزويد باعتباره جزءًا من السياسة الاقتصادية فالصيانة الوقائية وتطوير الشبكات وتحسين إدارة الطلب خلال فترات الذروة وتعزيز الشفافية في متابعة الانقطاعات كلها إجراءات تتجاوز بعدها التقني لتصبح عناصر مرتبطة بحماية الإنتاج. كما أن تقييم الأضرار بحسب القطاعات وحجم المؤسسات يمكن أن يساعد على تحديد أكثر الأنشطة تعرضًا للمخاطر، وتوجيه التدخلات وفق معطيات دقيقة وذلك لا يعني  إعفاء المؤسسات من مسؤولية تحسين كفاءة الطاقة أو تطوير خطط الاستمرارية بل يضع هذه المسؤولية في إطارها الواقعي فإدارة المخاطر داخل المؤسسة لا يمكن أن تعوض وحدها اختلالات البنية التحتية كما أن الاستثمار في تجهيزات احتياطية لا ينبغي أن يتحول إلى شرط إضافي يثقل كاهل المنشآت الأقل قدرة على التمويل.

تكشف صائفة 2026 في النهاية أن انقطاع الكهرباء لا ينتهي بالضرورة عند عودة التيار فآثاره قد تستمر في الإنتاج والتمويل والعلاقات التجارية وقد تمتد إلى قرارات الاستثمار نفسها.

بين خسائر قدرت بأكثر من مليار دينار ومؤسسات تبحث عن شروط أكثر استقرارًا للعمل يصبح الرهان الحقيقي هو بناء منظومة طاقة قادرة على حماية النشاط الاقتصادي من الاضطراب.

ان الثقة في الاقتصاد لا تُصنع بالوعود بل بقدرة المؤسسات على الإنتاج دون أن تتحول الكهرباء إلى مخاطرة إضافية في حساباتها اليومية.

المشاركة في هذا المقال